خليل الصفدي
24
أعيان العصر وأعوان النصر
الخناصر ؛ يدخل إلى السلطان في كل يوم على الشمع ، فيشتمل عليه بالبصر ويصغي إليه بالسمع ، ويحكي له ما جرى في بارحته عند الحريم ، وما اتفق له مع آرام وجرة وغزلان الصريم ، ويفضي إليه بأسرار لا يودعها سواه ، ويقضي له كل ما وافق آفاق غرضه ولاءم ولائم هواه . وكان فخر الدين ناظر الجيش يضيق منه ذرعه ، ويذوي من سموم تعديه عليه زرعه . وكانت إشاراته عند سائر أهل الدولة مقبولة ، وطباعهم على ما يراه من العزل والولاية مقبولة ، وحاول جماعة ممن هو قريب من السلطان إبعاده ، وتعب كلّ منهم فما بلغه اللّه قصده ولا أتم له مراده : من بحر ( المديد ) إذا أنت أعطيت السّعادة لم تبل * ولو نظرت شزرا إليك القبائل ولم يزل على حاله إلى أن حشرج ، ولم يكن له من ذلك الضّيق مخرج ، ووصل الخبر إلى دمشق بوفاته في أواخر ذي القعدة سنة ست وخمسين وسبعمائة . وكان مليح الوجه ، ظريف اللباس ، متمكنا من السلطان ، أراد القاضي شرف الدين النشو « 1 » ، أن ينزله من عين السلطان بكل طريق ، فلم يتجه له فيه عمل ، فعمل أوراقا بما على الخاصّ من الدّيون من زمان من تقدمه ، وذكر فيه جملا كثيرة باسم القاضي جمال الدين بن المغربي من ثمن رصاص وبرّ وحرير وغيره ، ودخل وقرأ الأوراق على السلطان ؛ ليعلم أنّ له أموالا متّسعة ، يتكسّب فيها ، ويتّجر على السلطان ، وأعاد ذكر جمال الدين مرّات ، فما زاد السلطان على أن قال : هذا القاضي جمال الدين ، لا تؤخر له شيئا ، اطلع الساعة ، وادفع له جميع ماله . وكان قد توجّه مع السلطان إلى الكرك ، وأقام عنده يخدم حريمه وحظاياه ، وخواصّه من مماليكه وجواريه في أمراضهم ، وكان يدخل إليه كلّ يوم على الشمع قبل كل ذي وظيفة راتبة من أرباب الأقلام ، ويسأل عن مزاج السلطان وأحواله وأعراضه في ليلته ، ثم في بقية أمراض الدور والحريم والأولاد ، ويسأله عن أحوال المدينة ، وما تجدد فيها ، وما لعله لوال أو أمير أو قاض أو محتسب ، إلى غيرهم من الرعايا ، فيطلعه على ما عنده ، ويسمعه السلطان منه قبل الناس كلهم ، وصار لذلك يخشى ويرجى ، ولا يقدر أحد يردّ له شفاعة ،
--> ( 1 ) شرف الدين النشو هو : عبد الوهاب بن فضل اللّه ، ناظر الخاص ، المتوفى في سنة 740 ه ، أورد له المصنف ترجمة .